السيد الطباطبائي
375
تفسير الميزان
وقد علل النهى بقوله : ( نحن نرزقكم وإياهم ) أي إنما تقتلونهم مخافه أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل الله يرزقكم وإياهم جميعا فلا تقتلوهم . قوله تعالى : ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) الفواحش جمع فاحشة وهى الامر الشنيع المستقبح ، وقد عد الله منها في كلامه الزنا واللواط وقذف المحصنات ، والظاهر أن المراد مما ظهر ومما بطن العلانية والسر كالزنا العلني واتخاذ الاخدان والاخلاء سرا . وفي استباحة الفاحشة إبطال فحشها وشناعتها ، وفي ذلك شيوعها لأنها من أعظم ما تتوق إليه النفس الكارهة لان يضرب عليها بالحرمان من ألذ لذائذها وتحجب عن أعجب ما تتعلق به وتعزم به شهوتها ، وفى شيوعها انقطاع النسل وبطلان المجتمع البيتي وفي بطلانه بطلان المجتمع الكبير الانساني ، وسوف نستوفي هذا البحث إن شاء الله فيما يناسبه من المحل . وكذلك استباحة القتل وما في تلوه من الفحشاء إبطال للأمن العام وفي بطلانه انهدام بنية المجتمع الانساني وتبدد أركانه . قوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) أي حرم الله قتلها أو حرمها بالحرمة المشرعة لها التي تقيها وتحميها من الضيعة في دم أو حق ، قيل : إنه تعالى أعاد ذكر القتل وإن كان داخلا في الفواحش تفخيما لشأنه وتعظيما لامره ، ونظيره الكلام في قتل الأولاد خشية الاملاق اختص بالذكر عناية به ، وقد كانت العرب تفعل ذلك بزعمهم أن خشية الاملاق تبيح للوالد أن يقتل أولاده ، ويصان به ماء وجهه من الابتذال ، والأبوة عندهم من أسباب الملك . وقد استثنى الله تعالى من جهة قتل النفس المحترمة التي هي نفس المسلم والمعاهد قتلها بالحق وهو القتل بالقود والحد الشرعي . ثم أكد تحريم المذكورات في الآية بقوله : ( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) سيجئ الوجه في تعليل هذه المناهى الخمس بقوله : ( لعلكم تعقلون ) . قوله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) النهى عن القرب للدلالة على التعميم فلا يحل أكل ماله ولا استعماله ولا أي تصرف فيه إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق المتصورة لحفظه ، ويمتد هذا النهى وتدوم الحرمة إلى أن